الجمعة، 14 أكتوبر 2011

تعليم لا تعليب !



لا زلت أطرق التأمل كلّ حين وآن في أساليب التدريس في جامعتي.. وعقب كلّ محاضرة لا بد أن أذهب الى "المصلّى " ألقي بكثير الضجر والتعب مما أقاسيه في المحاضرات .. من دكتور يتقن أسلوب التنويم ،وإطفاء إضاءة القاعة .. الى دكتور نظّارته سميكة بالحد الذي يكفيه لأن يبحث عن حرف "Y" على لوحة المفاتيح أثناء إحدى محاضرات لغات البرمجة !


الى دكتور تستطيع أن تعدّ كم المحاضرات التي أتاها .. وتجاوز ال 25 دقيقة فيها !
أو إلى دكتور مهمّته الأولى أن يفسد عقل الطلاب عليهم.. الى دكتورة تتفنن في "إسكاتي" بأي مظلة شاءت !! والكثير الكثير مما لا أستطيع ان أذكره هنا ..


كان ذلك الصباح مشابهٌ لما اعتدت أن أراه في كلّيتي ، والعجيب انني كنت مبتسمة .. فقد دعتني اثنتين من صديقاتي "النخبة " لزيارة نموذج يتوقعن انّ في خيط أملِ عريض في التعليم ..وليس التعليب !


ولم أتوانى مطلقاً .. انطلقت أنا وصديقتي " فداء " الى موقع مدرسة "البرج التركية الاردنية " في الصويفية ،في تمام الساعة 12 ظهراً ..
شوقي ل "تسنيم " و "رهام" كان كبيراً جداً ..فقد اعتدت مجالستهما والحديث المطوّل معهما في الجامعة قبل أن يتخرّجا.. وينتقلا الى العمل في صميم مشاكل الأمة العربية والإسلامية ..




حيث أنّه ومما لا شكّ فيه ، أن ظاهرة "التعليب" منتشرة جداً في وطننا العربي ، مع أن "التعليم" هو إحدى أهم صممات الأمن القومي في الدول ،وبه وحده يتحدد مستوى الدولة ، ومكانتها بين الأمم.. والتقدم في مستوى التعليم ..يعني ببساطة الانتقال من "تجميل " الموارد البشرية الى "تجويدها" ورفع كفائتها على كافة المستويات !


** من الضروري أن أنوّه الى أن هذه المدرسة حديثة الانشاء ..وبالتالي كثيرٌ من الأقسام لا تزال قيد الانجاز ، والعمل فيها على قدم وساق.. ولكن جوهر الخطط موجود ورأيته عياناً :)


بدأت الجولة في المدرسة من قسم رياض الأطفال ، فكان أوّل من قابلت هناك .. " خير النسا " ابنة مدير المدرسة .. ألقت التحيّة مباشرة ،قبل أن يخبرها أحد..وقدمت فسلّمت علينا.. "خير النسا " تركية ،ولكنها تتعلم العربية وكانت نغمة "الحمد لله " جميلة جداً منها حين سالتها : "كيف الحال؟ " .. المربيات يجلسن في غرفة اللعب مع الأطفال ،الذي يتفننون في اللعب ب "الحروف " وتركيبها ..
أثناء التجوال صدمت بوجود غرفة فيها كمبيوتر وشاشة عرض متقدّمة وأدراج صغيرة .. "غرفة تعليمية" مناسبة جداً لرياض الأطفال :) جولة سريعة وخرجت ..


ذهبت مباشرة الى "مصلّى " المدرسة .. وقد كان واسع جداً .. دخلت اليه فيه من النظافة والجمال ما يليق بمسجد ،لا مصلّى مدرسة فقط !




أبديت ملاحظة سريعة "المدرسة فيها مساحات فارغة كثيرة .. ليش ؟ " فأتتني الاجابة سريعاً عندما دقّ جرس الاستراحة _وكان على شكل نغمة موسيقية جميلة _ عندما خرج الطلاب الى هذه الساحات داخل المبنى وخارجه منهم من ذهب لاستكمال مهّمة بناء "مخزن الاسلحة " ومنهم من ذهب الى المصلّى ..ومنهم من ذهب الى "المكتبة" ومنهم من يذهب ليزور اصدقاءه في الصفوف الأخرى ومنهم من يذهب ليشرب الماء أو أو أو .. .. 






الاستراحة في المدرسة 10 دقائق عقب كل 40 دقيقة صفيّة ،و 30 دقيقة غداء .. يخرج بها الطلاب الى حيثما شاؤا ..حتّى وإن كانوا يريدون أن يجلسوا مع معلميهم أو يرحبون بضيوفهم !
قابلت في فترة الاستراحة "أسامة " طالب في الصف الخامس سألته عن "لماذا تحب المدرسة ؟ وما الشيء الذي وجدته فيها ولم تجده في غيرها ؟ " .. بثقة جميلة سأل قبل أن يجيب " انا بعرفك.. صفاء صاحبة مس تسنيم ..حكتلي عنّك لما تناقشتوا مرّة عنّي ع الفيس بوك !! " اعتاد اسامة أن يتناقش هو ومعلمته كثيراً على الفيس بوك !


أجاب أسامة : " انا بحب هاي المدرسة لانها بتخليني أتحرك وأشتغل ونشارك بكثير نشاطات ،وفيها معلمات بسمعونا لما نسأل عن أي شي وما بنخاف منهم ! بننزل على المكتبة وبنروح على المختبرات .. هيك بنقدر نعمل كثير اشياء بحياتنا غير الدراسة !!! " 


اسهاب أسامة في الحديث كان يعبّر عن الكثير من رؤى واستراتيجيات المدرسة ..اتضح ذلك حين قابلت بعضاً من معلمات المدرسة ..
 معلّمة اللغة الانجليزية "هاجر" تركية الاصل.. وتدرّس الانجليزية ،ولغتها العربية قليلة جداً 
جلستُ معها بعض الوقت وسألتها عن رؤيتها الخاصه في التعليم ، وأساليب التدريس لديها ،وعلاقتها بالمدرسة وجوّها ..فأجابت :" نحن هنا في المدرسة نؤسس لمعنى العائلة الذي تفتقده المجتمعات سواء بين الطلاب أنفسهم ،أو بين الطلاب والمعلمين ، أو بين الطلاب والمعلمين وإدارة المدرسة أيضاً ! ، الاحترام هو اللغة التي تفوق أي اختلاف في اللغات بيننا ! 
( Our Main Aim here Is teaching MORALS ) عبارتها التي هزّتني .. عندما عبّرت عن رؤية المدرسة في التعليم .. " 




استفسرت سريعاً "كيف بامكانك توصيل هذه الرؤى الى الطلبة ،وأنتي معلّمة لغة انجليزية فقط ؟ " 
اجابتها كانت مدهشة أكثر .. " نحن نعلّم لغة .. الوسيلة الأكبر للتعبير عن ثقافة المجتمع ،وهي القادرة على صياغتها ! "
وضوح الهدف يجعلها تتحدّث بثبات ووضوح !


سألتها أيضاً عن أسلوبها في مراعاة الفروق الفردية بين الطلاب فأجابت :" الحل الوحيد في Just TRY ..I'll help you".. لديهم فن في غرس معنى "المحاولة" لدى الطالب .. ويمنحونه الكثير من الفرص ..واكتشفت أنّهم يفتحون ابوابهم يوم السبت لأي طالب لديه مشكلة مع أي مادة ..ويقومون باعطاءه حصص تقوية .. والطلاب لا يخجلون من ذلك !!


خرجت للجلوس في المساحة الفرغة في المبنى أمام الصفوف.. جميع المعلمين يدخلون الى الصفوف بنفس الوقت ..والطلاب يسبقونهم !
وجلست اتحدّث مع "تسنيم" و"رهام" عن المدرسة أكثر وأكثر ..
كان لغة "التعليم بداية انطلاق التغيير " واضحة لديهم ، و أنّ "الاستثمار في الأجيال تجارة لا خسارة فيها " !


سألت عن اساس توظيف المعلّم ، فوجدت أن بعض المعلمين يوظّفون بناءاً على نصائح من المعارف الثقات .. والبعض يوظّف عن طريق طلب التوظيف العادي .. العجيب ان كلّ معايير قبول المعلّم معتمدة على ما لديه من ثقافة وطرق تفكير "فنحن نصنع الخبرة ، ومن السهل تطوير المهارة لدى أيّ فرد ..لكن كيف نصنع عقل المعلّم ؟ " !!! هذه استراتيجية الادراة في التوظيف !




وفي خضم حديثنا خرجت مصادفة إحدى المعلمات من "الصف الأول" تمسك بيد إحدى الطالبات وتذهب معها الى "كولر الماء" لتشرب..ثم تعود معها الى الصف !!!


اكتشفت أيضاً انّ هناك اجتماعات دورية ..يومين في الاسبوع لتطوير عمل المدرسة ،واستقبال الملاحظات ومعالجتها .. الأعجب الأجمل ان هناك اجتماع أسبوعي أيضاً على شكل جلسة "ايمانية" بين المعلمين .. يستلهمون من فكرة "التنمية بالايمان " ..و أنّ "الاسلام شيء نعيشه ! " كما يقول الاستاذ عبد القادر مدير المدرسة !


ذهبت أخيراً للقاء الاستاذ "فاتح كولن" والأستاذ "عبد القادر " مدراء المدرسة ، للحديث معهم ايضاً ..
عندما سألتهم عن فكرة الاستراحة ، وخروج الطلاب الى اي مكان يشاؤون فيها .. _فالمعتاد ان وقت الاستراحة هو خروج المعلم من الصف فقط ،اما الطلبة فلا بد أن يبقوا في صفوفهم ولا يغادروها _ فأجاب الاستاذ فاتح ويكأنّ في سؤالي شيءٌ من خطأ ف "الوقت نعمة ولا بد للطالب أن يُحسن استغلاله في الجد واللعب " !!


بعض الجوائز التي حازها طلّاب المدرسة في أولومبيات عالمية
استراتيجة "ما نحكي _No Speaking_ كما يعبّر عنها الاستاذ عبد القادر  كانت واضحه ،عندما سألته عن استراتيجيتهم في التعليم.. أجابني .. " أهم وسائل التعليم ، حسن صناعة المعلّم " !!!! المعلّم القدوة قادر على صياغة تفكير الطالب بما يجعله قادر على التعامل مع أي شيء في حياته فيما بعد ..


المعلم الذي لا يخدم رسالته لا مكان له في المدرسة.. التدخين ممنوع ، الأنشطة التي يقوم بها الطلاب عن طريق الأندية يشاركهم المعلمون يد بيد .. 


أما إذا حدثّتكم عن فكرة "القراءة لا بد أن تكون منهج حياة" كما يراها المديران ..فلن أُنهي !
هناك 10 دقائق قراءة للمعلم والطالب سويّة كل يوم ،وحصّة قراءة منفصلة اسبوعياً !! 
لتجد مثلاً "أسامة" ينهي القصة التي كان يقرؤها.. فيذهب الى معلمته ويطلب منها كتاب "البوصلة القرآنية" الذي كان بيدها ،فتعيطيه اياه .. يغيب أسامة بعضاً من الوقت ليعود معلّقاً على الكتاب فيقول : "الكاتب عميق " !!






لا أعجب من المدير صاحب الرؤيا ..ولا أعجب من المعلم كذلك .. ولكنّك ترفع قبّعة الاحترام حين تشهد عياناً أن الرؤى وصلت الى "طالب بعمر ال 10 سنوات ! " !!


هناك اهتمام خاص بالأهل أيضاً ..انطلاقاً من مبدأ ان العملية التعليمية لن تنجح إن كان هناك فصل بين جوّ المدرسة وجوّ المنزل !
فتجد هناك "ورقة تقييم يومية للأهل " واجتماع دوري معهم كذلك ..
والمعلّم يتصل مع الأهل تارة.. ومع الطالب تارة أخرى ليقترب أكثر من الطالب خارج نطاق المدرسة ،فيستطيع أن يصوغ برامجه بدقّه أكثر على ما يحتاجه الطالب ! هذا طبعاً غير الزيارات التي يقوم بها المعلم لتلاميذه !!!!




الكثير الكثير مما لم أوفيه حقّه ، والعين ترى كثيراً مما لا تُجيد الكلمات صياغته .. انا هنا لم أتحدّث عن الطلاب والمعلّمين والمدراء خارج المدرسة .. ففعالية ما تقوم به عمليّة التعليم تتضح خارج أسوار المبنى..وينطلق ليصوغ معنىً عميق للأمة !


فأسامة ومثله كثير ..يفهم ما يريده "أحمد الشقيري" من برنامجه "خواطر" الذي كان يسعى لتوصيل روعة العرب وتاريخ المسلمين !!




هذه الزيارة نفثت فيّ روح الأمل.. روحٌ عجيبة ، والقدرة على صناعة المستحيل بأجود اللغات !
كلّ التحية لمدارس البرج ..كلّ التحية للاستاذ فاتح والاستاذ عبد القادر ..تحيّة بحجم السماء لتسنيم الحاج حسن.. ورهام أبو صيني ..
تحيّة ملؤها الثقة ..لاسامة وزيد..ساراهم كثيراً في أماكن شتّى في العالم ! فهم الاقدر على ذلك فقط !


صفاء الزغول
14/10/2011









ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ولتصنع على عيني

صورتي
عالمٌ كبير ذلك الذي أبحرت إليه.. على غير هدى من الله ولا برهان.. من اليمّ إلى الساحل .. بتابوت السؤال ! واشتهت نبوّةً .. لتذوق جمال اليقين ..ولتقرّ عين أمتها فيها ولا تحزن ! حتى استجلبت ذلك الطور الخفيّ .. وصاغتها ... " ولتُصنع على عيني " العصا في يدها هشّةٌ مهترئة.. وأغنامها تبعثرت عند نفخة حياتها الأولى .. " ربااه .. عجّل بي لرضاك.. فلي مآرب عجِلة .. وأتِ بي على قَدّر ..فقد صنعت نفسي لك وحدك ! "